أبي العباس أحمد زروق الفاسي
111
قواعد التصوف
ومنهم من يغلب عليه الفقر إلى اللّه ، فيكلّ لسانه ، ويتوقف مع جانب الورع ، كابن أبي جمرة وغيره . ومن الناس من تختلف أحواله فتارة وتارة ، وهو أكمل الكمال ، لأنه حاله صلّى اللّه عليه وسلّم ، إذ أطعم ألفا من صاع ، وشد الحجر على بطنه ، فافهم . ( 173 ) قاعدة ملك العبد لما بيده من أعراض الدنيا غير متحقق له ، بل إنما هو خازن فيه لقصره عليه تصرفا وانتفاعا دون غيره . ومن ثم حرّم اللّه الإقتار « 1 » والإسراف « 2 » حتى عدّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في المنجيات : القصد في الغنى والفقر . ونهى عليه الصلاة والسلام عن إضاعة المال « 3 » إلى غير ذلك . فمن ثم قال لنا شيخنا أبو العباس الحضرمي رضي اللّه عنه : ليس الشأن من يعرف [ كيفية ] « 4 » تفريق الدنيا فيفرقها ، إنما الشأن من يعرف كيفية إمساكها فيمسكها . قلت : وذلك لأنها كالحية ليس الشأن في قتلها إنما الشأن في إمساكها وهي حية . وفي الحديث : « ليس الزهد بتحريم الحلال ، ولا بإضاعة المال ، إنما الزهد أن تكون بما في يد اللّه أوثق منك بما في يدك » « 5 » . وقال الشيخ أبو مدين رضي اللّه عنه : « الدنيا جرادة ورأسها حبها ، فإذا قطع رأس الجرادة حلت » . وقال الشيخ أبو محمد عبد القادر رضي اللّه عنه لما سئل عن الدنيا : « أخرجها من قلبك ، واجعلها في يدك ، فإنها لا تضرك » انتهى .
--> الشاذلية لأبي علي الحسن بن محمد بن قاسم الكوهن الفاسي المتوفى سنة 1347 ه ، وكتاب طبقات الشاذلية الكبرى لمحيى الدين الطعمي . ( 1 ) الإقتار : البخل . والتقتير هو الرمقة من العيش . ( 2 ) الإسراف : التبذير والضياع . ( 3 ) ورد في هذا حديث أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن اللّه تعالى يرضى لكم ثلاثا ، ويكره لكم ثلاثا ، فيرضى لكم أن تعبدوه ، ولا تشركوا به شيئا ، وأن تعتصموا بحبل اللّه جميعا ولا تفرقوا ، ويكره لكم : قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال » أخرجه مسلم . ( 4 ) ما بين المعقوفتين سقط من : ب . ( 5 ) أخرجه الترمذي في كتاب الزهد باب ما جاء في الزهادة في الدنيا حديث ( 2347 ) من رواية أبي ذر الغفاري رضي اللّه عنه ، وقال الترمذي : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . في سنده عمرو بن واقد قال البخاري وأبو حاتم : منكر الحديث ، وقال النسائي والدارقطني والبرقاني : متروك الحديث ، وقال ابن حبان : يقلب الأسانيد ويروي المناكير عن المشاهير واستحق الترك . تهذيب التهذيب 8 / 115 .